العلامة المجلسي
186
بحار الأنوار
أنها مطابقة لما في التوراة والإنجيل ، مع أنه ما طالعها ولا تلمذ لاحد فيها ، فليس إلا بوحي منه تعالى . والثاني : أن كتب الله المنزلة دلت على مقدم محمد صلى الله عليه وآله ، وإذا كان الامر كذلك كان مجيئه صلى الله عليه وآله تصديقا لما في تلك الكتب . الثالث : أنه أخبر في القرآن عن الغيوب الكثيرة في المستقبل ، فوقعت مطابقة لذلك الخبر ، كقوله تعالى : " ألم غلبت الروم ( 1 ) " وكقوله تعالى : لقد صدق الله رسوله الرؤيا ( 2 ) " وكقوله : " وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ( 3 ) " وذلك يدل على أن الاخبار عن هذه الغيوب إنما حصلت بالوحي من الله تعالى بين يديه ( 4 ) . والنوع الثاني من الدلائل قوله تعالى : " وتفصيل كل شئ " وتحقيقه أن العلوم إما أن تكون دينية أولا ، ولا شك أن الأول أرفع حالا وأعظم شأنا من الثاني ، وأما الدينية فإما أن تكون علم العقائد والأديان ، وإما أن تكون علم الاعمال ، فالأول هو معرفة الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وأما معرفة الله فهي عبارة عن معرفة ذاته ، وصفة جلاله ، وصفة إكرامه ، ومعرفة أفعاله ، ومعرفة أحكامه ، ومعرفة أسمائه ، والقرآن مشتمل على دلائل هذه المسائل وتفاريعها وتفاصيلها على وجه لا يساويه شئ من الكتب ، بل لا يقرب منه شئ من المصنفات ، وأما علم الاعمال فهو إما علم التكاليف المتعلقة بالظواهر وهو الفقه ، ومعلوم أن جميع الفقهاء إنما استنبطوا مباحثهم عن القرآن ، وإما علم بصفة الباطن ( 5 ) ورياضة القلوب ، وقد حصل في القرآن من مباحث هذا العلم ما لا يكاد يوجد في غيره ، فثبت أن القرآن مشتمل على تفاصيل جميع العلوم الشريفة عقليها ونقليها اشتمالا يمتنع حصوله في سائر الكتب ، فكان ذلك معجزا . وأما قوله : " لا ريب فيه من رب العالمين " فتقريره أن الكتاب الطويل المشتمل
--> ( 1 ) الروم : 1 . ( 2 ) الفتح : 27 . ( 3 ) النور : 55 . ( 4 ) في العبارة سقط ، والموجود في المصدر : وذلك يدل على أن الاخبار عن هذه الغيوب المستقبلة إنما حصل بالوحي من الله تعالى ، فكان ذلك عبارة عن تصديق الذي بين يديه . ( 5 ) في المصدر : بتصفية الباطن .